الغنوصية .. المعرفة المباشرة

الغنوص ،كلمة يونانية و معناها الحرفى ( المعرفة المباشرة ) ، و معناة الضمنى هو المعارف العليا التى لا يصل لها الانسان بالبحث و الدراسة و الانتظام فى القراءة ، و لكن طريقها الوحيد هو التجرد من سيطرة الحواس علية لترتقى روحة او نفسة الى العالم الاعلى فتشاهد الحقائق ،و يمكن أن نطلق عليها مجازا أنها معراج ( بالمعنى الفلسفى )  بالروح او النفس .

الغنوصية هى اتجاة فكرى و فلسفى مبنى على تصور بأن الروح او النفس كانت فى عالم سابق ( عالم أخر ، و الذى يُعرف فى الأسلام بأسم عالم الذر ) ، ثم هبطت إلى الجسم و أستقرت فية ، و الغنوصية هى محاولة  الانسلاج عن مشوشات الحياة الحسية ، كمحاولة  للارتقاء بالروح و الوصول بها إلى عالمها الاول ، و ذلك يؤهل الروح أو النفس  لاستقبال الحقائق و المعارف الاساسية أو الحقائق العليا الحقيقة من السماء .

و فى ذلك المعنى نٌظمت قصيدة ابن سينا العينية فى النفس فيقول :

هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ  *****  وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ

أي هبطت إليك أيّها الإنسان الّذي هو جسد ونفس موجودا في عالم الكون والفساد، هذه النّفس الّتي كنّى عنها بالورقاء أي الحمامة ذات غبرة في لونها، من محلّ القدس وعالم الألوهة والثّبات، والجوهرة البريّة من التغيّر، والشّريفة والعزيزة والمتمنّعة عن أن تخالط الهيولى والأجسام. ولا يريد بها ابن سينا أي نفس كانت كالنّفس النّباتيّة أو الحيوانيّة، بل النّفس العاقلة فقط.

 مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَارِفٍ *****  وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ

وهذه النّفس العاقلة والشّريفة لمّا حلّت فيك، فإنّ الإنسان النّاظر والمدرك للأشياء المحسوسة بحواسّه الخمس امتنع عليه أن يدركها، أو يثبت وجودها، وذلك لأنّها من طبيعة غير طبيعة هذا العالم، وهو لا ينظر للوجود ولا يطلب معرفته إلاّ بما لا يُوقِفُه منه إلاّ على الأشياء الطّبيعيّة والهيولانيّة، فصارت النّفس لذلك الإنسان وكأنّها محجوبة عنه. أمّا العارف الفطن الّذي قد ترقّى إلى مرتبة الإدراك العقليّ، وتخلّص من أسر الحسّ، وهُمْ قليل جدّا، فهي سافرة له بيّنة عنده، وأظهر لديه من الحسّ نفسه، فصارت النّفس في حقّه وكأنّها قد سفرت ولم تتبرقع، أي لم تتّخذ برقعا، وهو أداة يخفي وجه المرأة.

 وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا ****** كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ

والنّفس بعدما كانت في عالم القدس وهبطت إليك، فإنّها أوّل ما هبطت، قد شقيت من هذا السّقوط، وضاقت به ذرعا، ولم تستمرئه البتّة، وكرهته أيّما كره. ومع ذلك فها أنت تشاهدها الآن قد صارت تتفجّع من فراقك، أي فراق جسدك؛ لأنّك ترى النّاس كلّهم أو جلّهم إنّما يخشون الموت.

 أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ **** أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـع

وآية كرهها لهذا السّقوط من عالم القدس، وحلولها في جسدك أنّه قد تقزّزت منه أوّلا، وتجانفته؛ لكنّ هذه النّفس، وبعد طول الإقامة، فقد أنست سكنه واستمرأت الثّواء فيه. وقد كنّى ابن سينا عنه بالخراب البلقع، أي خال، لأنّ الجسم في الحقيقة هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وهو لاشيء بالقياس إلى عالم الحقيقة الّذي هوت منه تلك النّفس. النفس معتقلة فى الجسم ، بفعل سيطرة الحواس ، فاذا استطاعت الافلات و انطلقت و تحررت ، يشرق عليها من عالم اعلى ما يسمى بحسب صاحبة ، فقد تسمى تلك الاشراقات من العالم العلوى تجليات الهية عند الصوفية ، أو شيطان الشعر عند العرب فى الجاهلية ، الابداع او الاشراق بالمعارف ،كلها تسميات مختلفة لشىء واحد و هو المعرفة المباشرة .

من الرابط هنا يمكن الرجوع إلى القصيدة كاملة مع الشرح .

جدير بالذكر أن الاسكندرية القديمة كانت أكبر معقل يُمارس فية الأتجاة او الفكر الغنوصى .

الغنوصية

تجدر الأشارة إلى أن الصوفية بشكل ما تمارس الفلسفة الغنوصية ، فأحد الأفكار الأساسية التى يُبنى عليها الفكر الصوفى هى فكرة التجرد و التخلص من المحسوسات و الشواغل الدنيوية حتى تتحول روح أو نفس المتصوف إلى (مرآة مجلوة _ بالعامية مراية صافية ) تنعكس عليها الحقائق الالهية أو الكونية .

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.